Saturday, November 17, 2012

الملك يصارح الشعب ويفند الإشاعات والإفتراءات *


جلالة الملك يتحدث بمنتهى الصراحة والمكاشفة حول القضايا المثيرة للجدل 

"بلدنا اليوم يواجه تحديات هائلة وفي الوقت نفسه أمامنا فرص كبيرة لم تكن متاحة لنا من قبل، فرص يمكن أن تساعدنا في حل بعض المشاكل التي نعاني منها منذ فترة طويلة، وتساعد أيضا في التخلص من آثار وتداعيات هذه المشاكل نهائياً.

هناك ثلاثة تحديات رئيسية: الأسعار، الأسعار، الأسعار. وبالطبع لدينا تحديات رئيسية أخرى مثل البطالة، والفقر، والمديونية، ولكن من الإنصاف أن نقول أن الأسعار المرتفعة هي التي تشغل بال كل واحد منا. ففي كل يوم، تظل الأسعار قضية تستحوذ على تفكيري، وتقلقني كثيراً لما تمثله من تحد هائل لغالبية الأردنيين، وتثقل كاهلهم.  فهذه مشكلة يعاني منها العالم بأجمعه، والعالم النامي الذي نشكل جزءا منه هو الذي تلقى الضربة الأشد والأقسى.

وليس هناك حكومة في العالم حسب علمي تمكنت من إيجاد الحل المناسب في المدى القصير لحماية مواطنيها وتحصينهم في وجه الأسعار المرتفعة، وأي شخص يقول عكس هذا فهو غير منصف في قوله. ولكن هناك إجراءات على الحكومات أن تقوم بها على المدى القصير لتخفيف تأثير الأسعار. وهنا في الأردن فقد بدأت الحكومة بتنفيذ حزمة من الإجراءات التي تحمي المواطن من تداعيات غلاء المعيشة...وقامت الحكومة بالتدخل في السوق لدفع أسعار السلع الأساسية إلى الإنخفاض إلى أقصى حد ممكن...وأنا أول من يعترف بأن هذا ما زال ليس كافيا وأننا بحاجة إلى القيام بالمزيد، وسنقوم بعمل المزيد، إن شاء الله.

الارتفاع في الأسعار سبب كثيراً من عدم الرضا لدى الناس، وشكل أرضية خصبة لتصديق الأكاذيب والإشاعات، ومن هنا فإن هناك فئات ومجموعات مختلفة تستغل عدم الرضا هذا لفرض ونشر أجنداتها السياسية. فعلى سبيل المثال نرى الآن أن من يعارض الانفتاح الاقتصادي هم الأعلى صوتا في نقدهم لسياسات الحكومة الاقتصادية بالرغم من أنه ليس لديهم اي بديل عملي، ولا يستطيعون أن يقدموا أي بديل أو نموذج في أي مكان في العالم.
إن نقد السياسات الحكومية في الأوقات الصعبة واستعمال هذا من أجل أجندة معينة لمجموعة من الناس أمر مقبول يحدث في جميع أرجاء العالم. ولكن استعمال أكاذيب مكشوفة وإشاعات صبيانية، تعيق مسيرتنا نحو التقدم، هو أمر غير منصف وغير مقبول على الإطلاق.

وبالرغم من أننا نعاني، مثل معظم الدول في ارجاء العالم، من مشكلة ارتفاع الأسعار، فإننا في الواقع في وضع أفضل بكثير من العديد من بلدان العالم والتي لها موارد طبيعية أكثر مما لدينا. فنحن لدينا علاقات قوية مع إخواننا في دول الخليج التي تشهد طفرة مالية نتيجة لارتفاع أسعار النفط...
والحمد لله لمسنا بشكل جدي الرغبة القوية لدى أشقائنا في الخليج، لمساعدة الأردن، وأنا فخور وشاكر لهم بهذا...لدى أشقائنا في الخليج اليوم إمكانات كبيرة ونية صادقة وإرادة مخلصة لمساعدتنا. وليس هناك شك في أنهم يقدمون المساعدات الاقتصادية للموازنة العامة، وخاصة المملكة العربية السعودية الشقيقة التي وقفت إلى جانبنا خلال السنوات الماضية وقفة مشرفة. وعلاوة على ذلك فإن بإمكان الأشقاء في الخليج العربي مساعدتنا أضعافا مضاعفة من خلال الاستثمار.

عندما نتحدث عن استثمارات كبيرة لم نعتد عليها تاريخيا في الأردن، فإن الناس يبدأون بصورة أوتوماتيكية، بالتحدث عن الفساد. وهذا أمر طبيعي. وأيضا، فإن السرعة التي تتصرف بها الحكومة أحيانا من اجل جذب الاستثمار العربي وخاصة الخليجي قد تفاجئ المجتمع وتسبب الكثير من الكلام. ولكن من الأهمية بمكان لشعبنا الأردني أن يتفهم أن هذه الحاجة إلى السرعة ترتبط بصورة مباشرة بالحاجة إلى استثمار عوائد بيع النفط بسرعة لتعظيم عوائدها. وسواء رضينا أم أبينا، فهذا هو الأسلوب الذي يتبعه العالم في عمله. والبلدان التي تتعامل مع هذه السرعة ستفوز، وتلك التي تتأخر عن الركب وتسمح للبيروقراطية المعقدة أن تقف في طريق تحركها ستفشل. إن جميع البلدان في ارجاء العالم وفي المنطقة تتنافس لجذب الاستثمارات الخليجية، ومثلما قلت سابقا لن ينتظرنا أحد. وهذا لا يعني أن الاستثمار يجب أن يكون على حساب الشفافية. قطعا لا.

انا إنسان طموح وخاصة عندما يتصل الأمر بالأردن، وأعتقد أنه يمكننا الحصول على الاثنين معا. ولكن أولا كمجتمع علينا أن نتجاوز بعض العوائق التي تشوش عقلنا وتفكيرنا، وأن نتخلص منها بصورة نهائية. علينا أن نؤمن أن الاستثمار الأهلي الوطني والأجنبي أمر جيد لبلدنا وشعبنا، وكذلك التخاصية، وهناك البعض الذين يضعون مثل هذه المفاهيم الأساسية موضع التساؤل، وهذا في الواقع يبطىء مسيرتنا. فجميع الدول في العالم تطبق برامج للتخاصية، وجميع الدول لديها استراتيجيات لترويج الاستثمار، وجميع الدول تبيع أصولا مملوكة للدولة مثل الأراضي لتشجيع التنمية. فإذا ما اتهمنا الحكومة في كل مرة تقوم فيها بمثل هذه النشاطات، على أنها تمارس أعمالا سيئة وفاسدة، فإننا لن ننجح أبدا كدولة. 

إنني اسمع باستمرار عبارة الليبراليين تتردد ويتم تناقلها هذه الأيام. وأنا شخصيا اعتقد أن بعض الناس يستعملون كلمات كبيرة لا يفهمون فعلا معناها، وباختصار فإن الليبرالية هي مدرسة فكرية أكاديمية، تؤمن بأن كل شيء يجب أن يترك لقوى السوق، وأن الحكومة يجب أن لا تتدخل بقوى السوق هذه. والواقع أن من حولي يعملون بجد واجتهاد واقتدار في مبادرات...أو يحاولون إيجاد مساعدات للاستمرار في دعم بعض السلع أو لتجديد القرى والمدارس ولإنشاء شبكة أمان اجتماعي تحمي الفقير، وكل ذلك في تناقض مباشر مع النظرية الليبرالية الراديكالية.  وهذا لا يعني أننا ضد الخصخصة أو تقوية القطاع الخاص، أو زيادة الاستثمار في البلد، لأنني لست مرتبطا بشكل حصري بأي مبدأ أو نظرية بعينها، لا الليبرالية ولا المحافظة، لا اليسار ولا اليمين، لا الحرس القديم ولا الحرس الجديد، إن عقيدتي ومبدأي الوحيدين هما أن أراعي المصلحة الأفضل للأردن واحافظ عليها دائماً وابدأ.

لنبتعد عن التلاعب بالكلام...وأن أكون واضحا في فهم هذا الهراء، فالسؤال إما أن أكون جزءا من هذه المؤامرة، أو أن أكون بعيدا منعزلا ولا أدري ما الذي يجري في بلدي. وكلا هذين الافتراضين مسيء، والحقيقة هي أن هذين السيناريوهين هما ابعد ما يكونا عن الحقيقة.

وفي الواقع فإن العديد من أولئك الذين حولي نشأوا وترعرعوا في ظل والدي، رحمه الله، وخلفياتهم واضحة ومعروفة للجميع .. فنادر الذهبي...خدم قبل عهدي بصورة مميزة في سلاح الجو ومديراً للخطوط الجوية الملكية الأردنية، وأنا فخور جدا بانجازاته وسعيد بادائه، ورئيس الديوان الملكي باسم عوض الله تلقى تعليمه الجامعي بمنحة دراسية من المرحوم والدي، وقد خدم بتميز مرموق في اربعة من الحكومات التي شكلت في عهد والدي رحمه الله، ومنحه وسامين لعطائه وتميزه وخدمته، ولا احد يستطيع أن يشكك في خلفية رجال الحسين من العسكريين في قواتنا المسلحة من رئيس هيئة الاركان المشتركة الى الجندي العادي في الميدان، والأجهزة الامنية ومنها دائرة المخابرات العامة التي (رأسها) محمد الذهبي ''وهو أحد الذين خدموا هذا الجهاز على مدى سنوات'' خَدَمَتْ بلدنا وحمته بوسائل وطرق سنظل دائما عاجزين عن ايفائها ما تستحق من تقدير، ومن رئيس مجلس الاعيان الى رئيس مجلس النواب فهم جميعا رجال والدي رحمه الله وأنا فخور بهم وبانجازاتهم. 

ان كل مؤشر وكل خبير يوافق على ان الاردن يحقق تقدما ثابتا، وانكار ذلك جريمة بحق الأردن وبحق كل من عمل بجد واجتهاد في القطاع العام لدينا في هذه الحكومة وفي الحكومات السابقة وانا شخصيا فخور بانجازاتهم، ايضا ليس هنا شك بأن الزيادات الكبيرة التي حدثت اخيرا في الاسعار قوضت بعض اركان التقدم الذي حققناه وان وضع اللوم على السياسات الحالية والسابقة معيب، فليس هناك احد في العالم كان يمكنه التنبوء بهذه الارتفاعات في الأسعار، وليس لدى الحكومة الاردنية سيطرة عليها وفي الواقع يمكنني القول بأن الامور كانت ستكون اسوأ كثيرا لو لم نتخذ الاجراءات التي اتخذناها في الماضي. فعلى سبيل المثال لو لم تقم الحكومة باتخاذ القرار بالتحرير التدرجي لأسعار النفط، منذ عام ٢٠٠٥ لتحملت الموازنة العامة هذا العام أعباء إضافية قد تصل إلى ١٬٥ مليار دينار، مما كان سيترتب عليه تهديد حقيقي للاستقرار المالي في المملكة. هناك شيء اود لجميع الاردنيين ان يتفهموه انه حتى مع تنويع مصادر الطاقة بعيدا عن النفط، فإن فاتورة المحروقات ارتفعت (سبعة اضعاف) هذا العام، وهذا يعني أن كمية كبيرة من العملة الاجنبية تخرج من البلاد وان علينا ان نعوضها...وقد قامت الحكومات السابقة بهذا، وهذا هو الذي يسمح لاحتياطياتنا من العملات الأجنبية أن ترتفع بحمد الله، بالرغم من أنه يتوجب علينا أن ندفع فاتورة متزايدة لأثمان النفط.[1] 

أريد أن اُطمئن الجميع، اننا ملتزمون بإجراء الانتخابات النيابية في الربع الأخير من هذا العام، كما أعلنّا من قبل، وسوف تقوم الحكومة بوضع كل الإجراءات والترتيبات، التي تضمن أن تكون هذه الانتخابات بمنتهى الشفافية والنزاهة، للوصول إلى مجلس نواب، يمثل آمال وطموحات أبناء شعبنا العزيز. وهنا مطلوب من الجميع، العمل على توسيع الـمشاركة في هذه الانتخابات. وأنا أعرف أن الوضع الاقتصادي غير مريح، وأن المواطن يعاني من هذا الوضع، لكن الذي يجب أن نعرفه يا إخوا اننا ليس البلد الوحيد، الذي يعاني من الظروف الاقتصادية الصعبة، وأن وضعنا الاقتصادي يتأثر بشكل أو بآخر، بالأوضاع الاقتصادية في العالم من حولنا. ومن واجبنا، أن نحاول بشتى الطرق والوسائل التصدي لهذه الظروف، والتخفيف من آثارها السلبية على أبنـاء شعبنا. والحكومة تتحرك لمواجهة هذا التحدي الكبير، ضمن رؤية واضحة وخطط وبرامج عمل، مرتبطة بجـداول زمنية محددة، لكنها تحتاج إلى بعض الوقت، حتى تحقـق أهدافها، ويلمس المواطن نتائجها الإيجابية على حياتـه. بعباره أخرى، بدها شوية صبر يا إخوان. وأريد أن يكون المواطن على معرفة واطلاع على كل مـا تقوم به الحكومة ومؤسسات الدولة، من خطط وبرامج لمواجهة هذا الوضع الاقتصادي، حتى يكون مطمئنا أننا قادرون على تجاوز هذه الظروف، وأن الأمور تسير نحو الأفضل، بإذن الله.

من جهة أخرى، هناك بعض الظواهر الغريبة على مجتمعنا، وكل ما هو معروف عنه من القيم النبيلة، قيم الأخوة والتسامح والمحبة بين أبناء المجتمع الواحد، والأسرة الأردنية الواحدة الكبيرة. ومن هذه الظواهر المرفوضة والغريبة على مجتمعنا، ظاهرة العنف، وتحدي سيادة القانون، والخروج على الأعراف والتقاليد الأصيلة في هذا المجتمع. هذه الظاهرة، أحيانا، تأخذ شكـل الاعتداء على الأشخاص، أو الاعتداء بالتخريب والتكسير على بعض المؤسسات والمرافق العامة، لأبسط الأسباب، ودون وجه حق

نتحدث دائما عن حقوق الإنسان، وكرامة الإنسان الأردني، التي هي عندي أهم وفوق كل الاعتبارات. لماذا إذن، الاعتداء على كرامة المعلم والطبيب والشرطي والموظـف؟ هؤلاء الناس الذين يخدمون بلدهـم ومجتمعهـم بشـرف وإخلاص، وهم أبناؤنا وإخواننـا. لماذا الاعتداء على كرامتهـم، وأحيانا على أرواحهم ؟ معقول هذا الذي يصير يا إخوان؟ وبالمقابل، يجب أن يعرف الموظف العام، أنه موجود في هذه الوظيفة، لخدمة المواطن، وأنه ليس من حقه الاعتداء على كرامة المواطن أو حقه.

وأنا قلت من قبل أن كرامة المواطن عندي، أهم وأغلى من أي شيء آخر. والمؤسف أكثر، عندما يختلف اثنان، تحدث مشاجرة بينهما، ودون مبرر تتحول هذه المشاجرة البسيطة، من مشاجرة بين اثنين، إلى مشاجرة بين عشيرتين أو قريتين، وتستخدم فيها الأسلحة النارية، ويتم فيها الاعتداء على رجال الأمن العام، وعلى الممتلكات العامة والخاصة، وكأنه لا يوجد دولة، ولا يوجد قانون، ولا يوجد مؤسسات، ولا أعراف ولا تقاليد. هل هذه التصرفات من أخلاق الأردنيين ؟! وعاداتهم الأصيلة والنبيلة؟ لا يا إخوان، هذه ليست عاداتنـا ولا أخلاقنا ولا قيمنا. 

العشيرة يا إخوان، كانت على الدوام، ركيزة أساسية في بناء هذا المجتمع، ورديفاً وسنداً للمؤسسات الرسمية والأمنية، في الحفاظ على الأمن والاستقرار، وكانت دائماً رمزاً لكل القيم النبيلة، ورمز الانتماء لهذا الوطن، وأتمنى أن كل عشيرة، تحافظ على هذه الصورة الإيجابية المشرقة، التي نعتز بها، ولا تسمح لأحد، أن يسيء لهذه الصورة المشرقة. والعنف لا يمكن أن يكون حلا لأي مشكلة، بالعكس هو بحد ذاته مشكلة، وأي خلاف بين طرفين، وأي مشكلة كبيرة أو صغيرة، يمكن حلها بالحوار وتحكيم العقل، أو بالاحتكام إلى العدالة والقانون.

يا إخوان، نحن أكدنا من قبل، ونؤكد من جديد، على احترام حق الإنسان وحريته في التعبير، لكن الحرية لا تعني الخروج على القوانين، ولا على روح الدستور، ولا تعني إثارة الفتنة، أو التحريض أو التعدي على حقـوق الآخرين وحرياتهم. وأريد أن أعيد، وأؤكد من جديد أن الدولة قادرة، وفي أي لحظة، على ضبط الأمور، وتطبيق القانون على الجميع، ولا يوجد أحد أقوى من الدولة، ولا يوجد أحد فوق القانون، لكن الذي أتمناه عليكم وعلى إخواني الشباب في كل أرجاء الوطن، الذين أعتز بهم، أن نكون كلنا يداً واحدة في التصدي، لمثل هذه الظواهر الغريبة على مجتمعنا، والمرفوضة في كل الأحوال.

نحن نتحدث دائما عن نعمة الأمن والاستقرار في هذا الوطن العزيز، ونتحدث عن التنمية الشاملة، والتحديث والتطوير، ودولة المؤسسات وسيادة القانون. ودون الأمن والاستقرار وسيادة القانون، لا يمكن أن تكون هناك تنمية ولا تحديث ولا تطوير. صحيح ربما هناك حاجة إلى تعديل بعض القوانين، وربما وضع تشريعات جديدة، ولكن أتمنى على الجميع، أن يكون في كل واحد منا وازع داخلي يعكس انتماءه لهذا الوطن، ويمنعه من عمل الخطأ عن قناعة، وليس خوفاً من القانون أو العقوبة. مطلوب من الجميع، وكل واحد من موقعه، أن نتصدى لمثل هذه الظواهر والأخطاء، ولكل من يحاول الخروج على القانون، أو العبث بالأمن والاستقرار، أو بوحدتنا الوطنية، أو إثارة الفتنة والفوضى بين أبناء الأسرة الأردنية الواحدة الكبيرة. وبالمقابل، ستواصل الدولة القيام بواجبها في حماية الأرواح والممتلكات والوحدة الوطنية، وفرض سيادة القانون، لتحقيق العدالة والمساواة بين الجميع.

وبالرغم من كل ما تقدم، فأنا كلي ثقه وأمل بالمستقبل، وأنا أعرف أبناء شعبي، وأعرف انتماءهم وإخلاصهم لوطنهم، وأعرف أنهم بوعيهم وإرادتهم القوية، وتماسك جبهتنا الداخلية، سنكون قادرين على التصدي لأي مؤامرة، وأي جهة تحاول المساس بأمن الأردن أو استقراره. وأعرف أنهم، وأنا واحد منهم، مستعدون لحماية هذا الوطن بدمائنا وأرواحنا. [2] 

لتكن المعرفة سلاحكم .. ولا تصدقوا الإشاعات، وخاصة عندما يقول لكم أحدهم إنها من مصادر موثوقة.
واخيرا إعلموا أنكم كل شيء بالنسبة لي.[1] 

*العنوان الرئيسي لجريدة الرأي في ٢ تموز ٢٠٠٨
[1] اقتباس من مقابلة شاملة لجلالته مع وكالة الأنباء الأردنية في ٢ تموز ٢٠٠٨ 
[2] إقتباس من كلمة جلالته في يوم الجيش في ٩ حزيران ٢٠١٠ 


Wednesday, September 26, 2012

ليس سهلاً أن تكون عبدالله؟

إلى أهالي معتقلي الحرية: أنتم أحسن منا جميعاً 

استفزني إعتقال عبدالله محادين أكثر من غيره من الرفاق. ربما لأني أشعر بأني أعرفه بشكل شخصي (أظن التقينا مرة سريعة على الدوار الرابع)، أو ربما لأنه بحماسته وتدينه وتفوقه يذكرني بأخوي الصغير. لكن من المؤكد أن السبب الرئيسي هو شعور بالظلم أولاً: "ليش دايماً عبدالله؟" "هو شو عمل أصلاً؟" وشعور بالقلق على وضع البلد وهشاشة نظامها الذي لا يستطيع أن يتحمل اعتصامات مجموعة صغيرة من الشباب فيلجأ إلى أساليب بائسة من ترهيب وحبس تعكس إفلاسه. 

لكن هذه المرة قررت التعامل مع هذا الإستفزاز بطريقة مختلفة، فبدلاً من اليأس والإحباط وتبني الشعار التاريخي: (هذا الأردن وضعه هيك، وما في أمل يتغير قريباً، فيا بتلاقي طريقة تتأقلم معه بوضعه الحالي يا بتلاقيلك مكان الحياة في أحسن تقضي فيه هالثلاثين أربعين سنة الضايلين لك وبلا وجع راس)، قررت أن أرفض موجة اللامبالاة متزايدة الإنتشار وقررت أن احتل موقع عبدالله، على الأقل إلى حين إطلاق سراحه (خاوة). قررت أن أزيد من "نشاطي" الرافض للوضع القائم إفتراضياً، والأهم فعلياً، حاملاً الشعار الجديد "عبدالله مش أحسن مني"، وعاقداً العزم على تغيير الأولويات بما يتناسب مع الشعار الجديد.

كما توقع الرفاق، لم تستمر هذه الحالة أكثر من عشرة أيام. المشاركة بثلاثة أو أربعة اعتصامات خلال أسبوع كافية لتكتشف كمية الوقت التي يجب أن تكرسها للهدف على حساب نشاطاتك اليومية الأخرى التي يمارسها باقي البشر. الإعتقالات التي تحدث أمامك تحول السجن من فكرة "رومانسية" إلى حقيقة "مخيفة"، فتترك موقع الإعتصام وأنت غير قادر أن تتخيل بأن من كان يهتف على بعد مترين منك قبل دقائق يجلس الآن مقيداً في زنزانة، بينما يشاء الحظ (وجبنك) أن تعود أنت إلى كنبايتك. تعلق صورة في ذهنك: قوات التدخل السريع بإقنعتها السوداء تحيط بالمعتصمين وتتفوق عليهم عدداً بنسبة خمسة إلى واحد، آمر الفرقة ذو الكرش الهائل يسحب كيس أسود من جيب الفوتيك ويحشو رأسه به فيغطي وجهه حتى أعلى ذقنه فقط، وتشاء الصدف ألا يحصل الفض. لكن الفكرة وصلت؛ كيف ترد عندما تشاء الصدف ويحدث الهجوم؟ تنبطح أرضاً وتنقل إلى المستشفى أم تصمد وتنقل إلى المستشفى والسجن أم تلزم بيتك إحتياطاً، وفخار يكسر بعضه؟ 

في الواقع، كل ذلك ليس سوى مخاوف وتحديات سخيفة مقارنةً بالهدف، ومقارنةً بالشعور بالرضى الذي ينتج عن قناعة بأنك تتخذ خطوات أولى على الطريق الصحيح. لماذا تترك أرضك وجمهورك وتعلن الهزيمة أمام الغباء والتخلف والمرض بدون أدنى مقاومة؟ كان أسبوعاً سعيداً بالرغم من كل شيء. حتى جاءت مكالمة الوالدة الباكية: "انت شو الك دخل؟" "ليش ما بتفكر فينا؟" "إفرض صارلك اشي ولا انحبست؟" "إفرض صار عندك عاهة مستديمة" كانت مقدمة لساعات متواصلة من كلمات العتب الصادقة، فشلت كل المحاولات لإحتوائها ولم تتوقف قبل الحصول على وعد بتجميد كل الأنشطة، تحت التحديد "بالمقاطعة النهائية والتبري منك بالجرايد" في حال الإخلال بالوعد. 

كان لدى الرفاق في فترة الأحكام العرفية نظرية بأن الأنظمة القمعية تعرف أن "الرهبة من السجن رادع أكبر بكثير من السجن نفسه"، وبالتالي فإن كل موجة اعتقالات تستهدف نفس المجموعة الأشخاص ممن كسروا (لحسن حظهم أو ربما سوء حظهم) هذا الحاجز، لتخويف المجموعة الأكبر ممن بقيت خارجه. في مجتمع مثل الأردن، يرتبط فيه الأفراد على الأقل بأسرهم الصغيرة إرتباطاً وثيقاً  تتسع هذه النظرية فتصبح: "إعتقلوا الشباب مش لتخويفك فقط، بل الأهم لتخويف أهلك". ليس من السهل التضحية بوقتك وربما عملك وحتى حريتك في سبيل الهدف، ولكن الصعوبة فعلاً هي التضحية بما ليس لك ولا سيطرة لك عليه: فكيف تتعامل مع قلق الأم والأب والأخ والزوجة وغيرهم ممن تحب؟ وكيف تواجه لوم العم والخال ممن يشعرون بأن ما تقوم به قد يؤثر على حياتهم ومصالحهم؟ كيف تتعامل مع داوئر ودوائر من الضغوط؟ يمكن "عبدالله محادين مش أحسن مني" (وأشك بذلك)، لكن من المسلم به أن أهل وأحباء معتقلي الحرية أحسن منا جميعاً، فلهم الشكر والتحية، نفخر بكم كما تفخرون بأبنائكم رفاقنا، وبفضلهم وبفضلكم، ستأتي أيام أفضل.  

Thursday, April 26, 2012

قرفنا فتطرفنا

خواطر مواطن لا يمثل إلا نفسه

إن الدكتاتور الاتوقراطي المستبد لا يمكن له أن يعمل بدون حزب حاكم يزوده بالكوادر اللازمة للإدارة في شتى المجالات، والتي تمكنه من القيام بالوظائف الأساسية اللازمة لضمان البقاء، فتصبح هذه الكوادر "مفرطة الولاء" هي الطبقة المنتفعة المرتبطة وجودياً بالدكتاتور، ويعملا معاً بتفاهم لمصالحهما فقط. 

النظرة السريعة على من يطلق عليهم "رجالات" الدولة الاردنية على مدى الخمسين عاماً الماضية كفيلة بالكشف عن أن الوزراء والسفراء واعضاء مجالس الامة بشقيه وكبار الموظفين ورؤساء الهيئات ومن لف لفهم في مجملهم أبناء حزب واحد، هو حزب المخابرات والاجهزة الأمنية. فهؤلاء "الرجال" إما أعضاء فعليين في الجهاز (الحزب) أو أصدقاء له أو من مناصريه أو حتى في أسوأ الأحوال حاصلين على تنسيبه (وموافقته) حتى لو كان الأمر يتعلق بترفيع موظف حكومي من الدرجة الرابعة إلى الثالثة أو حتى ترفيع ضابط جيش من (من عقيد إلى عميد). وكأي حزب فعال، يلتحق بالأعضاء والاصدقاء والمناصرين والمؤازرين فريق لوجستي من منظرين ومثقفين (بالاحرى كتبة) ومناشير على شكل صحف رسمية وبرامج عمل داخلية وتمويل مستقل (من دافع الضرائب أو من تمويل أجنبي لأهداف)، وخطط  تجنيد أعضاء جدد، ومهرجانات ،وهذا أكثر من بديهي في حالة الحزب الحاكم الاردني.

مع إستلام الملك الجديد لراية الحاكم الأوحد ظهر حزب جديد لينافس الحزب التقليدي وهو حزب الديوان الملكي، الذي وإن كان قد ولد أساساً من رحم الحزب الام  فقد حاول أن يستقل عنه. فظهرت كوادره الجديدة من خارج المؤسسة الأمنية في مختلف مجالات الحياة السياسية (واهمها إقتصادياً) من مستشارين في الديوان ارتقوا إلى وزراء وحتى إلى رؤساء حكومات.

وإذا كان الحزب القديم كان قد إستمد حظوته  التاريخية لدى الحاكم من قدرته على ضمان عرشه والمحافظة عليه "أمنياً" ، فإن الحزب الجديد قدم للحاكم ما كان يحتاجه في تلك الفترة، وهو الثروة.  فالحزب الجديد الذي قام على نخبة من رجال الأعمال "الشباب" من أصحاب الرؤى الاقتصادية الفذة كان قادراً على إيجاد مصادر جديدة لضخ الأموال في خزينة القصر التي اضمحلت (نوعاً ما) بعد أن اقتسمها الورثة، خاصةً وأن متطلبات مستوى معيشة من كان أباه ملكاً تفوق بكثير متطلبات من إضطر يوماً أن يبيع بسكليته.

وعليه، فإن لحظة تحويل مدير المخابرات المخضرم البطيخي للقضاء بذلك الشكل المهين، وعلى قضية عطاء كمبيوترات سخيفة بالمقارنة ، لم تكن مجرد تصفية  حسابات شخصية بقدر ما كانت رسالة إلى...إحم..."الحرس القديم" بأن الحزب الأوحد لم يعد فوق الجميع وأن هناك حزب جديد للقصر يشاركهم السلطة، والعبوا سوا سوا أحسن.
 
وما العبث الذي جرى على الساحة السياسية الاردنية في العامين السابقين سوى صراع قوى بين "طرفا" الحزب الحاكم، أو الحزبان الحكامان، فتحته التغييرات في المنطقة على مصراعيه. فالصراع بين "بيروقراطية الدولة" والليبرالية الجديدة، وبين "الاصلاحيين" وقوى الشد العكسي، وحتى حرية التعبير والسقوف، من "تطاول على الديوان" إلى المطالبة بإقالة مدير المخابرات، هي ليست أكثر من  كسر عظم بين الحزبين بإستخدام أدواتهما للتأثير على الحاكم واستمالته إلى أحد الطرفين. (يشبه أحد الأصدقاء القريبين من المشهد قضايا الفساد "الكبرى" بلعبة الورق بين المخابرات والديوان: بتنزلي بالمعاني، بنزلك بالبخيت، بتنزلي بالذهبي، بنزلك بالكردي). وهذا بالمحصلة كان ظاهرة  صحية جاءت لمصلحة الناس الذين مكنهم "الصراع" من كشف بعض الفاسدين، والأهم إكتشاف أسلوب إدارة الدولة الفاشلة والية صنع القرار الهزلية  وبالتالي كسر هيبة الحزبين والحاكم مع بعض، الأمر الذي تنبه له الأطراف الثلاثة مؤخراً، فالثلاثة يتفقون تماماً على الضرورة الحتمية للحفاظ على النظام بشكله المتعفن الحالي، لما فيه من حفاظ على مصالحم جميعاً. 

بالمحصلة، فإن كل الحديث عن تعديلات دستورية وقوانين إنتخاب وحكومات دستورية تشكلها أغلبية نيابية، والحديث عن فصل السلطات وإستقلالية القضاء ليس له أي داعي، وهو مجرد رقص في العتمة ولغو. فحتى الحكومات  سريعة القذف التي ساد الإعتقاد يوماً بأنها طرف في صنع القرار مع المخابرات والديوان أصبح من البديهي أنها ليست سوى إفراز لسطوة أحد الحزبين على الآخر، وحسب حاجة الحاكم المرحلية. فالرئيس من أحد الحزبين، والتشكيل الوزاري يحتفظ بحد أدنى من التمثيل لكلاهما بغض النظر عن إنتماء الرئيس، لضرورات الحفاظ على خط الرجعة، وطبعاً مع شوية مستقلين وحزبيين منتهي الصلاحية لغايات الاكسسوار. وبالتالي مرجعية الحكومات هي الحزب الذي أفرزها.

 أما قمة الفكاهة والعبث (الذي تحول إلى قمة الملل والقرف)  تتجلى عندما تناط الرئاسة بشخص من خارج  أحد الحزبين لضرورة أو ضغط ما، مثل الخصاونة أو عدنان بدران، فإن انعزاله عن صنع القرار وعجزه وقلة حيلته يصبحان من الوضوح والإهانة إلى درجة تثير الشفقة.

وختاماً، فإن الأنظمة القائمة على حاكم أوحد مستبد، يحتمي برعاية أجنبية، ويبني عرشه على حلقات من المنتفعين تحمي أمنه وثروته قد أصبحت أنظمة منتهية الصلاحية. وهذه الأنظمة لا يمكن إصلاحها بوصفات ووعود، حتى على الفرض الواهم بأنها جادة، لأنها غير قادرة على الاصلاح، فخرابها أساس وجودها العضوي، وضمان استمرارها. نظام جامد بعقلية منقرضة يرفض التطور، اساليبه وحزبه وإعلامه والعابه تنتمي لحقبة سابقة. نظام سارق لثروات غير موجودة ينافس دول النفط في الانفاق على حاكمه الذي يظن أنه وريث ارستقراطيات أوروبا. نظام يحكم دولة تحمل إسم عائلة حاكم (!) وهو لا يمت للدولة أو لإسم العائلة بصلة، لا نسباً ولا لغةً ولا نشأةً ولا حتى ولاءً، بشهادة التاريخ.

بس يا أخي يشهد الله إنه منحبك منحبك منحبك.
وفايز الطراونة خيار صح. 
شاء من شاء، وأبى من أبى.
اعطوه فرصة يا جماعة.
 وين في مسيرة ولاء وأنتماء بكرا؟

Wednesday, January 11, 2012

لويش بتلد؟

بين الصورة ورسالتها، من منا لم يفكر بحرق الصورة؟

في فيلم شبه وثائقي قصير يستيقظ شاب أردني فيفتح الستائر متجبداً أمام جدارية عملاقة على واجهة البناية المقابلة لغرفته "منقوشٍ" في أعلاها: "إهداء من إسكانات أبو ركبة لامانة عمان". تتابع الكاميرا، من منظور الشاب، أحداث يوم عادي جداً، من ركوبه المواصلات العامة، ومروره بالمكتب والبنك والدائرة الحكومية والمطعم والشارع والمقهى والمسرح، لكن الكاميرا تقطع في كل موقع بشكل مفاجئ إلى صورة جلالة الملك التي تحيط بكل المساحات التي يتحرك فيها هذا الشاب.

في المشهد الختامي يقف مشدوهاً في وسط الشارع أمام إحدى هذه البورتريهات العملاقة كأنه يراها لأول مرة، فتأتي سيارة سوداء من طراز شفرولية تاهو تمعسه وتلقي به في الهواء. يرفع رأسه عله يلقط رقم السيارة، فتتسمر عيونه تلقائياً على زجاج السيارة الخلفي الذي تغطيه (طبعاً) صورة جلالته مع بندقية القنص المشهورة، فيغمض عينيه. "مات مات" يصيح أحد المارة. "لا حول ولا قوة إلى بالله" يصيح آخر أمام الجسد الممعوس. يأتي إبن حلال ويغطي الجثة بجريدة، فتتطاير أوراقها وتتدحرج في الشارع، تقترب الكاميرا من أوراق الجريدة فتظهر على كل صفحة صورة عملاقة لجلالته، تعلوها تهنئة بعيد ميلاده السعيد. النهاية. عرض الكريدتس على خلفية من لقطات لجماهير تلوح بصور صدام حسين وحسني مبارك و معمر القذافي وأغنية "افيري ستيب يو تايك، أي ويل بي واتشنغ يو."


ما هو وجه الشبه بين شادر خضار مخالف والمركز الثقافي الملكي؟ كلاهما من المعجبين بالنسخة الاردنية من دمية المتروشكا الروسية. مثال أخير بدون تكرار ممل للفكرة، دائرة الأحوال المدنية في الدوار الأول عبارة عن كوريدور مفتوح على بعضه بطول 35 متر وعرض ستة مترات يحوي في ثناياه على 15 صورة لجلالة الملك، أربع صور للملك السابق، أربع صور لولي العهد، وصورة للعائلة السعيدة. في هذه الصالة لا يمكن من أي ركن منها أن ترى أقل من ثلاث صور، في نفس الوقت في أي وقت. جورج أرويل نفسه في عالمه الافتراضي لم يكن سيسمح بذلك، لأنه قد يخاف أن ينتقده البعض للمبالغة في تصوير نظام الأخ الأكبر الشمولي.


المشكلة ليست بالصورة كرمز وطني، المشكلة في توظيف الصورة. ما هو المغزى؟ تذكير؟ ترهيب؟ تملق؟ حب شديد؟ دعاية مجانية؟ تعزيز الفرص في تجنب مخالفة؟ حتى لو افترضنا عفوية المواطن العادي في التعبير عن حبه، ماذا عن الدائرة الحكومية؟ لماذا يجب أن يتزين المركز الأمني بخمسين صورة في أوضاع مختلفة؟ ماذا عن المدارس؟ ما هي ضرورة وجود صورة تجحر فيك وأنت تحاول أن تتابع عرض مسرحي أو ندوة؟ العلاقة التي تحتاج إلى مظاهر مبالغ فيها للتأكيد على عمقها وصدقها هي علاقة غير صحية فيها كذب و خلل مستتر تظهر نتائجه على شكل كوارث على المدى الطويل.


الشكل والمضمون وجهان لعملة واحدة، أي أنك عندما تختار أن تتبنى مظاهر الأنظمة الشمولية إم التعريفة، فأنت تقر ضمنياً بأنك نظام شمولي من أبو التعريفة. من المفهوم والمتوقع أن يكون هناك جموع من المواطنين لا تستطيع أن تتفهم كيف يمكن لهذه الابتسامة العفوية أن تشكل نوع من الاستفزاز للبعض الآخر من اخوانهم المواطنين، والتفسير لذلك بديهي: أن هذه الصور بالنسبة للكثيرين قد أصبحت مجرد خلفيات لا تلفت الانتباه. فهناك حالة من نزع الحساسية أو التطعيم تنشأ بعد سنوات من العيش تحت تأثير مظاهر الحكم الشمولي تجعلها تظهر بأنها عادي، وهي أبداً مش عادي. الحل أيضاً بسيط: عزيزي المواطن إلي مفكر إنو عادي، أرجوك تبنى منظور جديد، منظور عين العصفور من أعلى، وتخيل نفسك شخص يزور البلد الأول مرة، أو قم بتبني الفيلم الوثائقي أعلاه وقم بالترفيه عن نفسك بعد الصور ليوم واحد، وشوف إذا جد عادي.


سنفترض أن الزعيم رمز وطني له احترامه، سواء اتفقنا مع سياساته وأسلوب حكمه أو اختلفنا معها، فهذا لا يعني أن تتحول لوحاته العملاقة لبديل عن العلم إوالخارطة في المناسبات الوطنية أو بديل لصور نانسي عجرم وبوب مارلي كزينة سيارات الكيا والتكاسي وبديلاً عن لوحات اعلن على هذه الواجهة ودعايات مجانية لقهوة أبو العبد، لأن هذا غير مقبول لا لهيبته ولا لرعاياه. لا بل أن الكثير من هذه الصور مأخوذة من أوضاع لا تليق بمكانته، وبعضها يجده أكثر الناس حياداً لا بل أكثرهم حباً مضحكة فعلاً، وبعضها (صورة القناص تحديداً) قد تحول (بصراحة) إلى موضع سخرية وفكاهة حتى من أشخاص مقربين من الديوان نفسه. (وهنا لا بد للمرء أن يشك في جدوى عشرات الالاف المهدورة كرواتب مستشارين غير قادرين على إختيار صورة مناسبة. يعني ألف مستشار إعلامي مش عارفين ينتبهوا إنه صور جلالته بالزي البدوي ما إلها داعي وانها ضاربة شوي بزيادة على إستشراق، ولا يعني المكتب الاعلامي بكامل كوادره تبع جلالتها عرف ينصحها إنه ستي يمكن إستعمال حرس البادية والحرس الشركس خلفية لعروض الأزياء والسياحة مش أحسن فكرة بالعالم؟!)


أيام قليلة تفصلنا عن مناسبة تاريخية تشكل فرصة لا يمكن تكرارها لرشم ملايين الصور في كل نواحي الوطن، وبمناسبة تشكيل لجنة للإشراف على إحتفالات المملكة باليوبيل الذهبي لجلالته، كان يمكن إستبدال الصور مثلاً بنصب تمثال من الذهب (أو من أقلام الرصاص) على قاعدة دوارة فوق واحد من برجي الدوار السادس بحيث يواجه الشمس في جميع الأوقات (أو مثلاً يواجه وجهة السفر لذلك الشهر)، لكن الفكرة سبق وإنعملت، كما أن الهاشميين تاريخياً أكبر من ينصب لهم تماثيل. بس بما انه صور بحجم البنايات عادي، فيمكن للجنة أن توصي بأن يتم صرف نظارات خاصة (مثل تبع الثري دي) لكل المواطنين بحيث تكون صورة جلالته منقوشة علىها بشكل شفاف لا يحجب الرؤية، وفرضها طول فترة إحتفالات المملكة بالعيد الميمون. نفس الأثر، بتكاليف أقل، كما أنها عصية على الحرق.


Wednesday, December 28, 2011

لا للملكية الدستورية

لأن الطبيعة اللحظية لتويتر تجعل توثيق بعض ما يجري ضرورة، وان كان تكراراً

بغض النظر عن موضوع النقاش سواء كان الدولة الريعية أو تدخل الأجهزة الأمنية في الحياة السياسية أو قوانين الانتخاب أو غيرها، فإن كل النقاشات والمقالات والحوارات تبقى تدور في حلقة مفرغة إلى أن تنتهي إلى قناة واحدة يقبع في وسطها فيل يبقى حاضراً في كل غرفة.

وجود هذا الفيل يجعل كل النقاشات مجرد كلام نظري في الفراغ، أما الاشارة له فهي كفيلة بنقل النقاش من أي موضوع إلى السؤال الأزلي: من يحكم الاردن؟ أو على الأقل: من هو صانع القرار في الاردن؟ يعني يمكنك أن تقضي ساعتين في حوار حول اي من مشاكل الاردن بإسلوب علمي عميق، بدون التطرق لأكثر الأسئلة بديهية: من هو المستفيد الأكبر من "المشكلة" موضوع النقاش؟ ومن هو المسؤول؟ وما هي الطريق أو الخطوة الاولى للتخلص منها؟

فلو أخذنا مثالاً حديث الدكتور عمر الرزاز في أخر حلقات النقاش التي ينظمها موقع حبر، فسنجد أجواء أكاديمية ودية وحوار مسلي ومفيد إلا أنه ليس أكثر من جولة أخرى من الضجيج الذي أضحى مملاً.

بإختصار هناك اطاران اساسيان: ساحة حوار مكتظة إلى درجة اليأس تبحث في المشاكل التي تعاني منها البلاد، وأخرى تبحث في رأس هذه المشاكل والطريق أو على الأقل الخطوة الاولى إلى حلها. ربط الإطاران كفيل بجعل مطالب أي إنسان شبه عاقل ترتفع من إصلاح مستحيل إلى إعادة تشكيل كاملة. هناك طبعاً إجماع شبه كامل إلى أن هذا (الإحم...) التغيير الكبير ليس في مصلحة البلاد لأن الجميع راضي (حتى لا نقول منتفع بدرجات) بالنمط الريعي/الرعوي القائم، ويبقى الخلاف على الحصص هو أساس (الكثير من) دعوات الاصلاح المستحيل.


في الجانب المشرق، تساهم هذه الحوارات والندوات في تعزيز بديهية إستحالة تماهي الاصلاح مع النظام بشكله الحالي بطريقة غير مباشرة. فبالعودة إلى ندوة الرزاز نجد مثلاً:

-أن أحد أهم رجال الاقتصاد في البلد ليس لديه أدنى فكرة عن مصير عوائد التخاصية أو كيفية صرفها أو عن سبب عدم ادراجها في الموازنة.

-أن الرزاز لا يجد مبرراً لأن أن تكون موازنة وزارة الدفاع غير مدرجة بالتفاصيل في الموازنة العامة، وخاصةً فيما يتعلق بالمشتريات قائلاً: "أنا بعرف سعر الطبشورة في وزارة التربية وسعر السرنج في وزارة الصحة ولا أعرف سعر الرصاصة".

-أما "ألطف" مداخلة فقد كانت من الوزير السابق مروان جمعة الذي ما فتئ يذكرنا بأن عمر وزارته كان قصير وما لحق يعمل اشي وأن الأجندة الوطنية تم وضعها على الرف بدون بديل (بدون إثارة جزئية صاحب القرار بإقالة وزارته أو وضع الأجندة على الرف طبعاً) ، وأنه كوزير سابق ليس لديه أدنى فكرة عن أولويات أو حتى خطط الدولة!


إلحق ورا المصاري

انطباعات بسيطة حول النمط الريعي الاردني (إعادة... للتوثيق)

-مهندس النمط الريعي الاردني هو الاسرة الحاكمة حتى تستطيع أن تنافس في بذخها حكام الخليج بالرغم من عدم وجود دخل أو موارد تسمح

-الاسرة الحاكمة ما زالت تراكم ثروتها من جيوب الاردنيين ثم توزع عليهم الفتات بدرجات من خلال النمط الريعي

-نظام التوزيع الذي تستخدمه الاسرة الحاكمة على شكل "تركل داون" ناجح إلى حد بعيد ويغطي بدرجات شرائح إجتماعية كبيرة

-التركيب الاجتماعي (قلة عدد السكان وترابطهم) يسمح للأسرة الحاكمة بإحتكار ثروات الوطن ثم توزيعها بشكل يضمن اسكات الجميع بدرجات

-درجات التوزيع تبدأ بسماسرة القصر وإلى شيوخ العشائر وكبار الضباط وحتى النواب وتنتهي بموظفي البطالة المقنعة في الجهاز المدني والعسكري

-يعني الاسرة الحاكمة باعت البسكليت بخمس ليرات(*) وبعدين فتحت متحف سيارات،والجميع راضي ما دام عنده قريب بدرس/بتعالج/بتوظف عن طريق الديوان

-أي تغيير في هذا النمط يشكل خطر على تكديس ثروة الاسرة الحاكمة ومستوى معيشتها غير المتناسب مع دخل الاردن.بالتالي مستحيل

-ثروة الاسرة الحاكمة ومستوى معيشتها،ومن خلفها كبار المنتفعين، تجعل الأمل "باصلاح" حقيقي على أي مستوى مستحيل والمطالبة به سذاجة

-أما فقاعات محاكم السماسرة وكبار المنتفعين فهي إما تصفية حسابات بينهم أو فرك اذان للي بيكون زعل المعلم أوإنتهى دوره وماقعدعاقل


قصة قصيرة (*)

من أدب قصص النجاح

"عندما كنت صبياً صغيراً كنا نقيم جميعاً في دارة متواضعة تتألف من خمس حجرات مع غرفة إستحمام واحدة تحيط بها قطعة أرض صغيرة في جبل عمان، أحد تلال العاصمة السبعة. لقد كان إبن عمي فيصل ملك العراق يوحي إلي بإنطباع أنه يعيش في عالم غني ثري. وإنني لأذكر زيارة قمت بها إلى بغداد عندما كان لي من العمر عشر سنين فقدم لي فيصل بمثابة هدية الوداع دراجة متألقة متلألئة، وقد كان لدي شعور بأنني لن امتلك أبداً في حياتي شيئاً أجمل منها. وطوال سنة كاملة بقيت الدراجة محتفظة بالجمال واللمعان الذين كانت عليهما في اليوم الأول. وكنت في الصباح والمساء أدلكها وألمعها واجعلها تضيء وتشع.

وفي أحد الأيام جاءتني أمي وقالت لي بلطف:"انني أعرف بأنني سوف أشق عليك ولكن وضعنا المادي يبعث على الهم والقلق، فلكي نستطيع الخلاص من هذه الحال، لا بد لنا من بيع بعض المتاع الذي لدينا، فهل يضايقك يا بني العزيز أن نبيع دراجتك؟"

ولقد جاهدت نفسي لاحتباس دموعي. انهم يستطيعون بيع كل شيء ولكن ليس دراجتي!

وقالت لي أمي من باب التسرية عني وتعزيتي، "انك تعرف بأن عليك أن تواجه وتتغلب على الكثير من خيبة الأمل، كن قوياً، فسيأتي يوم تنسى فيه الدراجة، وتقود أجمل السيارات".

لقد قدت أجمل السيارات فيما بعد، ولكني لم أنس أبداً هذه الدراجة فقد بيعت في اليوم التالي بخمسة دنانير.

ليس الفقر عيباً، ولقد أثبت لي مستوى معيشتنا المتواضع، انني استطيع أن أحيا حياة أبسط من الحياة التي عشتها فيما بعد، وعلمني أيضاً أن أقدر قيمة المال إلى الحد الذي أصبحت فيه الآن أشعر بمتعة كبرى في منح العطايا للمعوزين."

كتاب مهنتي كملك


لا لأنصاف الحلول

لأن المواطن الايجابي لا يكتفي بالنقد

الحل: ملكية شكلية


Wednesday, November 02, 2011

(العميل الثلاثي: همام البلوي (تيزر1

هكذا ألقت المخابرات الاردنية بشاب أردني في حضن ميليشيات أفغانستان.
مقتطفات من كتاب "ذي تربل ايجنت" للكاتب الحائز على جائزة البوليتزر جوبي واريك


"أشعل إقتراح علي بن زيد (بإرسال همام البلوي إلى منطقة القبائل على حدود الباكستان وافغانستان (فاتا) فتيل نقاش حاد في المخابرات ومركز عمان لمكافحة الإرهاب الذي يدار بالتعاون مع السي أي أيه. كان من الواضح أن البلوي (لا يملك أي من مقومات) العميل؛ فهو ليس لديه أي تدريب، ولا يتحدث البشتون لغة المنطقة، ومن الصعب الاعتماد عليه بعد بضعة أيام من الاعتقال و عدد من اللقاءات على قهوة أو عشاء مع بن زيد لا تتعدى أصابع اليد الواحدة. على الجانب الآخر ليس هناك الكثير يمكن خسارته (من المحاولة).


تم التوصل إجماع سريع على النقاط المفصلية. بتكلفة قليلة لا تتجاوز بضعة الآف من الدولارات يمكن "إطلاق" البلوي في باكستان ومعه قصة لا بأس بها (سيرفيسبل) للتغطية على وجوده هناك. فمن حسن حظ البلوي أنه يمتلك خصائص توفر له مصداقية سريعة في بلاد الطالبان تتضمن شهادة في الطب وشخصية (الكاتب المعروف) على الانترنت. لن يتم تقديم أي مكافات كبيرة له إلا في الحالة المستبعدة بأن قام بالوصول إلى شخصية مهمة وتسليمها. لن يتم تزويده بأي أجهزة إتصال متطورة أو اي شيء آخر قد يكشفه كجاسوس إذا تم افتضاح أمره. إذا تم قتله (والفرصة لحدوث ذلك عالية بحسب التقديرات) لن يلاحظ أحد ولن يهتم أحد بإستثناء عائلة البلوي نفسه".


- وكالة الأنباء الاردنية: صرح مصدر مسؤول في القيادة العامة للقوات المسلحة بمايلي: استشهد مساء اليوم النقيب الشريف علي بن زيد اثناء مشاركته في اداء الواجب الانساني الذي تقوم به القوات المسلحة الاردنية في افغانستان


-نفت الحكومة الأردنية السبت صحة ما تناقلته بعض وسائل الإعلام عن علاقتها بمنفذ الهجوم على القاعدة العسكرية الأميركية في أفغانستان الأربعاء الماضي والتي أسفرت عن مقتل ثمانية أميركيين معظمهم من موظفي وكالة الاستخبارات المركزية.

ونقلت صحف أردنية عن وزير الدولة لشؤون الإعلام والاتصال نبيل الشريف قوله إن "لا أساس من الصحة لأي علاقة للأردن بحادث التفجير ولا علاقة لدائرة المخابرات بهذه الأعمال لا من قريب أو من بعيد".


-أما تفاصيل ما حدث فيمكن الاطلاع عليه عالسريع هنا...مؤقتاً


-ملاحظة أخيرة سريعة قبل أن نواصل.

همام البلوي لم يكن له اي إرتباط بالقاعدة أو افغانستان أو باكستان من قريب أو بعيد. همام البلوي لم يكن سوى عضو في منتدى إلكتروني كتب مقالات حماسية بليغة جعلته يرتقي إلى مستوى موديراتر في منتديات الحسبة. هذا هو السبب الذي دفع المخابرت الاردنية إلى إطلاق سراحه بعد ثلاثة أيام من اعتقاله على خلفية ما يكتب.


طبعاً إلى أن قرر الشريف الشهيد أن يلعب دور يوسف شعبان. لكن للأسف همام البلوي لم يكن محمود عبدالعزيز الأفاق الدولي الذي يجيد إنتحال الشخصيات; كان طبيب بسيط لم يكن له أن ينجح في خداع عصابات أفغانستان، تماماً مثلما لم يستطع أن يرفض عرض علي بن زيد (ترهيباً وترغيباً كالعادة) لرميه في أفغانستان.


(يتبع)

Tuesday, October 11, 2011

يسقط يسقط حكم العسكر

تنحصر مهمة الجيش في الدفاع عن الوطن وسلامته - الدستور الاردني


توطئة

من أكثر الاتهامات سذاجةً التي وجهت وتوجه ضد الحراك الشعبي وشعاراته أنها ليست أكثر من تقليد للثورات العربية ومحاولة نقل شعارات تلك الثورات وخاصةً التونسية والمصرية إلى الاردن مع إنه الاردن "غير"، وظروفه الموضوعية مختلفة عن تلك الدول.

أن سذاجة هذا الاتهام تنبع من أنه لا يعي قدرة الانسان المذهلة على إهمال "مقاطع وظواهر وأحداث" بديهية تدور حوله،بشكل تام كأنها ليست موجودة (خاصةً إذا كانت بتجيب وجع راس)، إلى أن يتم لفت نظره أو تنبيهه اليها. فكر فقط ببعض المشاهدات التي يمكنك جمعها في كتيب صغير بإسم "أشياء بدت عادية في وقتها" من طفولتك إلى أول مبارح، للتتذكر أن بعض ما يبدو روتينياً عادياً هو فعلياً مخالف لكل الأعراف الإنسانية يصل أحياناً إلى مرحلة الجرائم.

(أبسط مثال هو لو افترضنا أن هناك صورة تزين خلفية حياتك بشكل دائم، في الباص والمكتب والملعب والدكانة والشارع والبنك والمدرسة والمطعم، فإن عقلك الباطن سيقوم بالتعتيم عليها فلا تعد تراها، حتى ترى ما حصل لصور صدام ومبارك والقذافي، بتصير كل ما تشوف جدارية عملاقة مهداة من قهوة أبو العبد لامانة عمان تبتسم أمامها واحياناً قد تضحك بصوت عالي).

يعني بإستعمال فيديو إختبار الوعي المعروف، بينما تلتهي بمتابعة الكرة وعد التمريرات، بكون الدب عم بدبك على وجهك...وحتى لا نغرق بالرمزية، عد التمريرات هو كناية عن اللجان الاقتصادية والدستورية الملكية الوهمية، والمجالس النيابية الفكاهية، والسجالات والندوات العامة والخاصة والمقالات والسواليف العبثية عدا عن الانشغال بالامور الحياتية لتأمين الاحتياجات الأساسية)، أما الدبدوب الراقص في وسط كل هذا فهو "الشبح الذي يحكم البلد*" (*بحسب وصف سفيان عبيدات في ندوة حبر عن دور المخابرات).

من يحكم الاردن؟

في هذه المرحلة من تاريخ الاردن لا أحد يملك الجواب على هذا السؤال! فحتى أكبر "المحللين السياسين في البلد" من المقربين من أصحاب أعلى مناصب في البلد ليس لديهم أدنى فكرة فعلاً من هو صاحب القرار (أو العقل المدبر إللي بلعب بالنار بحسب رنا الصباغ). لكن هناك بعض المعطيات ظهرت بوضوح خلال السنة الأخيرة:

(تذكير: إكتشاف من يحكم البلد ليس مجرد حل لغز بوليسي للتسلية، لكن من أجل محاسبته في حالات الفشل وشكره في حالات النجاح)

-إتفق الشعب الاردني بكافة أطيافه أخيراً أن رئيس الوزراء،صاحب الولاية العامة دستوراً، مش أكثر من واجهة أو فزاعة (تتطور أحيانا إلى منفضة غبرة (ألطف أداة لقيتها)) ينحصر دوره في تسيير الأعمال وتنفيذ التوجيهات (من فوق من تحت مش فارقة). يعني أمين عام بدور قردين ونص: لا أرى لا أسمع ولما تيجيني تعليمات أتكلم، بقول ما بعرف.

-بالمقابل هناك خلاف في أوساط الطبقة المفروض انها فهمانة وبتحب تخرج بنظريات في هوية حاكم البلد: مجموعة تصر على أن المخابرات تلعب دور كبير في حكم البلد لكن تحت سيطرة القصر، ومجموعة ترى أن المخابرات تتدخل في إدارة البلاد بالرغم من إرادة الملك على أساس أنها لعبت دور كبير في تنصيبه. مجموعة بتحكي هو بدو يقلص دوره بس المنتفعين ما بدهم وأخرى بتقلك إذا راحو المنتفعين بهتز العرش.يدخل تحت هذه الفرضيات الحديث عن قوى شب عكسي ورغبة بالاصلاح، و هو بدو بس مش قادر،والدجاجة من البيضة أو البيضة من الدجاجة. وعلى رأي القاعدة البسيطة: تتبع المصاري: تبادل مصالح مع طبقة منتفعين توفر مستوى معيشة على مستوى أمير قطر وسلطان بروناي فبلعبوا سوا سوا، وأي تغيير حقيقي ليس في مصلحة أحد.

إستنتاج يؤسس لنظرية

الأجهزة الأمنية في الاردن لا تتدخل في الحياة السياسية لأنها هي ذاتها "الحياة السياسية"، فالجيش والمخابرات والأمن العام والدرك والبحث الجنائي، وكل الأجهزة البولسية التي ترتدي الزي العسكري هي مؤسسات الحكم الفعلية في البلاد. عشرات الالاف من البكوات والباشوات من حملة الياقات الحمراء هم من يرسمون سياسات الدولة ويمثلون مؤسستها الوحيدة الفاعلة التي تلعب أدوار السلطة التشريعية والتنفيذية والقضائية. كل "مظاهر" الحكم المدني من وزراء ونواب وحتى مدراء الدوائر ليسوا أكثر من واجهات (أو أبواب استرزاق أخرى لإصحاب الحظوة) أكبر واحد فيهم ما بمون على بصلة. يكفي دليلاً أن مجرد الحصول على هذا المنصب المدني الوهمي يحتاج للحصول على موافقة من تلك الأجهزة العسكرية.

وضماناً للسيطرة الكاملة للمؤسسة العسكرية فإن حتى هذه المؤسسات المدنية المخصية يتم اغراقها بمنتسبي الجيش السابقين، فيتم تسويقهم كسياسيين وزراء ونواب، لا بل وحتى كرموز معارضة، على أساس أن خلع الزي العسكري يكفي لتحويل عقلية تنفيذ أوامر من هم أعلى منك رتبة بلا نقاش إلى عقلية سياسية تتفاوض وتنصح وتخالف، حتى أنها قد تخالف من كانوا حتى أشهر قليلة قادتهم العسكريين ممن كان مجرد النقاش معهم يعتبر جريمة! في الاردن ممكن في اي لحظة أن يكون رئيس الوزراء ورئيس الديوان ورئيس مجلس النواب وزعيم المعارضة كلهم نتاج الأجهزة الأمنية, بمختلف مسمياتها.

هل هناك فرق بين خطاب اللواء معروف البخيت على نشرة الأخبار بعد 24 اذار وخطب اللواء محسن الفنجري الشهير،بمافي ذلك حركة الاصبع؟ منذ إنقلاب القصر على حكومة سليمان النابلسي البرلمانية تم تشكيل 44 حكومة منها 22 برئاسة عسكر.هل يستطيع متابع للمؤتمرات الصحفية الأخيرة بين وزير الداخلية (سواء السرور أو الساكت) ومدير الأمن العام أن يحدد من هو الرئيس ومن هو المرؤوس؟ يكفي أن وجود وزراء داخلية بهذا الضعف والتهلهل في مرحلة لا شك أنها حساسة دليل على أن وزير الداخلية ليس له دور أساساً في اي من الامور الداخلية. هل يستطيع رئيس الوزراء بوصفه وزير الدفاع أن يرفع سماعة التليفون للإتصال مع رئيس هيئة الأركان المشتركة للإستفسار عن أعداد الجنود الاردنيين ممن حالياً يخدمون في الخارج،أو السؤال مثلاً عن صفقة طائرات سمع أن هناك من "يفاوض" عليها؟ كيف يمكن أن يكون رئيس الوزراء صاحب الولاية العامة وقائد الجيش (إذا لم يكن حتى مدير المخابرات ومدير الأمن العام وقائد الدرك) أعلى سلطةً منه، ولو حتى معنوياً؟

نحو الدولة المدنية

لا شك أن الجيش العربي الاردني لعب دوراً محورياً في بناء الهوية الاردنية (بغض النظر عن دور جون باغت كلوب في رسم الملامح، فالعودة إلى دراسة جورج مسعد أثار استعمارية تطول وليس هذا المجال)، كما عملت المؤسسة العسكرية في سد فراغات كبيرة عجزت أجهزة الدولة الخدماتية عن إيجاد حلول لها في التعليم والتموين والتوظيف. لكن بناء الدولة المدنية العصرية يبدأ من الحد من تدخل الجيش في كل مناحي الحياة وتكريس جهوده لإداء واجبه الدستوري الوحيد وهو الدفاع عن حدود الوطن، إن لم يكن لشيء، فللحفاظ على هيبته.

وفي اطار الدولة المدنية، فإن الجيش وقيادته وموازنته التفصيلية تخضع لسلطة رئيس الوزراء (منتخب أو معين أو حتى لو كان البخيت). أما افراده من شتى الرتب فيتمتعون بسائر الحقوق التي يتمتع بها المواطن الاردني: فلا منح ولا مقاعد جامعية ولا إعفاءات جمركية تباع بالسوق السوداء، ولا سيارات تتسوق لإحتياجات المنزل ولا قصور ولا فوائض نقدية في أدراج مكاتب الباشوات ولا حتى إلغاء لمخالفات السير أو تجاوز للدور في دائرة الحكومية. فكل هذه الإمتيازات مخالفة للدستور، وكل المواطنين سواسية في خدمة الوطن، كل في موقعه.

أما مهزلة الذراع الاستثماري للجيش التي تدير المشاريع العقارية الضخمة وتتاجر بالشقق والمواد التموينية فهي من الخطورة بأنها بدأت فعلاً بتحويل الجيش من المؤسسة السياسية الوحيدة في البلد، إلى المؤسسة السياسية الوحيدة والفاسدة، ليس فقط من ناحية إبتلاع نصف موازنة الاردن بلا حسيب أو رقيب، لا بل "بإستثمار" هذه الأموال في بزنس لا يدري أحد كيف يتم تمويله ونفق ارباحه، وبدون تكرار للتفاصيل.


خاتمة

لا بد أن نتفهم أن يهب الحاصل على هذه الامتيازات غير الدستورية للدفاع عن هذه الإمتيازات، التي لا شك أنها تفوق بكثير مساهماته، فيلجأ إلى الريتورك المستهلك وكليشيهات برنامج حماة الديار، من تضحية ودرع وزهرة شباب وذود عن الحمى وخضب بدمائه وثرى وتراب، مع بعض التخوين طبعاً لمن يكرهون الوطن ولم يتمرمغون في العسكرية ولم يحملون السلاح (المرخص طبعاً) ... وهذا الخطاب المقاتل التخويني يأتيك على الأغلب من المقعد الامامي لسيارة فورد إكسيرجين من 10 مقاعد بتلفلف بعبدون بنص النهار، إحتمال مع سائق، وإحتمال بدون.

لكن تذكر عزيزي المدافع عن مكتسباتك (وهذا حقك) أن فتح باب التجنيد بحد ذاته مكرمة، وأن ترفيعك مكرمة محكومة بمدى ولاءك وولاء عشيرتك وليس محكوم بالأداء أو الكفاءة أو التضحية، وأن الجيوش التي تبنى على المكرمة والاستنفاع غير مؤهلة أساساً للدفاع عن الحمى والثرى والتراب ولا بتعرف تحارب. وتذكر أن الجيوش التي تعمل في السياسة والبيزنس مباشرة أو من وراء حجاب هي ليست أكثر من درع آخر من الأجهزة البوليسية للدول الشمولية،مهمتها الوحيدة الدفاع عن مكتسباتها والدفاع عن من يصرف لها هذه المكتسبات، مهما تطلب الأمر.